فصل: تفسير الآية رقم (11)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة‏}‏‏.‏

هذه الجملة جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏ وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله، فإذا عَلم أن على قلوبهم ختماً وعلى أسماعهم وأن على أبصارهم غشاوة عَلِمَ سبب ذلك كله وبطل العجب، فالجملة استئناف بياني يفيد جواب سائل يسأل عن سبب كونهم لا يؤمنون، وموقع هذه الجملة في نظم الكلام مقابل موقع جملة ‏{‏أولئك على هدى من ربهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏ فلهذه الجملة مكانة بين ذم أصحابها بمقدار ما لتلك من المكانة في الثناء على أربابها‏.‏

والختم حقيقته السد على الإناء والغلقُ على الكتاب بطين ونحوه مع وضع علامة مرسومة في خاتَم ليمنع ذلك من فتح المختوم، فإذا فُتح علم صاحبه أنه فتح لفسادٍ يظهر في أثر النقش وقد اتخذ النبيء صلى الله عليه وسلم خاتماً لذلك، وقد كانت العرب تختم على قوارير الخمر ليصلحها انحباس الهواء عنها وتسلم من الأقذار في مدة تعتيقها‏.‏ وأما تسمية البلوغ لآخِر الشيء ختماً فلأن ذلك الموضع أو ذلك الوقت هو ظرف وَضع الختم فيسمى به مجازاً‏.‏ والخاتَم بفتح التاء الطين الموضوع على المكان المختوم، وأطلق على القالَب المنقوش فيه علامة أو كتابة يطبع بها على الطين الذي يختم به‏.‏ وكان نقش خاتم النبيء صلى الله عليه وسلم محمد رسول الله‏.‏ وطينُ الختم طين خاص يشبه الجبس يبل بماء ونحوه ويشد على الموضع المختوم فإذا جف كان قوي الشد لا يُقلع بسهولة وهو يكون قِطَعاً صغيرة كل قطعة بمقدار مضغة وكانوا يجعلونه خواتيم في رقاب أهل الذمة قال بشار‏:‏

ختم الحب لها في عُنقي *** موضعَ الخاتَم من أهل الذِّمَم

والغِشاوة فِعالة من غشاه وتغشاه إذا حجبه ومما يصاغ له وزن فِعالة بكسر الفاء معنى الاشتمال على شيء مثل العِمامة والعِلاوة واللِّفافة‏.‏ وقد قيل إن صوغ هذه الزنة للصناعات كالخِياطة لما فيها من معنى الاشتمال المجازي ومعنى الغشاوة الغطاء‏.‏

وليس الختم على القلوب والأسماع ولا الغشاوة على الأبصار هنا حقيقة كما توهمه بعض المفسرين فيما نقله ابن عطية بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن جعل قلوبهم أي عقولهم في عدم نفوذ الإيمان والحق والإرشاد إليها، وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر، وجعل أعينهم في عدم الانتفاع بما ترى من المعجزات والدلائل الكونية، كأنها مختوم عليها ومغشًّى دونها إما على طريقة الاستعارة بتشبيه عدم حصُول النفع المقصود منها بالختم والغشاوة ثم إطلاق لفظ خَتَم على وجه التبعية ولفظ الغشاوة على وجه الأصلية وكلتاهما استعارة تحقيقية إلا أن المشبه محقق عقلاً لا حساً‏.‏

ولك أن تجعل الختم والغشاوة تمثيلاً بتشبيه هيئة وهمية متخيلة في قلوبهم أي إدراكهم من التصميم على الكفر وإمساكهم عن التأمل في الأدلة كما تقدم بهيئة الختم، وتشبيه هيئة متخيلة في أبصارهم من عدم التأمل في الوحدانية وصدق الرسول بهيئة الغشاوة وكل ذينك من تشبيه المعقول بالمحسوس، ولك أن تجعل الختم والغشاوة مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم والمراد اتصافهم بلازم ذلك وهو أن لا تعقل ولا تحس، والختم في اصطلاح الشرع استمرار الضلالة في نفس الضال أو خلق الضلالة، ومثله الطبع، والأكنة‏.‏

والظاهر أن قوله‏:‏ ‏{‏وعلى سمعهم‏}‏ معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏قلوبهم‏}‏ فتكون الأسماع مختوماً عليها وليس هو خبراً مقدماً لقوله ‏{‏غشاوة‏}‏ فيكون‏:‏ ‏{‏وعلى أبصارهم‏}‏ معطوفاً عليه لأن الغشاوة تناسب الأبصار لا الأسماع ولأن الختم يناسب الأسماع كما يناسب القلوب إذ كلاهما يشبه بالوعاء ويتخيل فيه معنى الغلق والسد، فإن العرب تقول‏:‏ استكَّ سمعه ووقر سمعه وجعلوا أصابعهم في آذانهم‏.‏

والمراد من القلوب هنا الألباب والعقول، والعرب تطلق القلب على اللحمة الصنوبرية، وتطلقه على الإدراك والعقل، ولا يكادون يطلقونه على غير ذلك بالنسبة للإنسان وذلك غالب كلامهم على الحيوان، وهو المراد هنا، ومقره الدماغ لا محالة ولكن القلب هو الذي يمده بالقوة التي بها عمل الإدراك‏.‏

وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع ‏(‏قلوبهم‏)‏ و‏(‏أبصارهم‏)‏ إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله‏:‏ ‏{‏يجعلون أصابعهم في أذانهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 19‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وفي آذاننا وقر‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏ فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم‏.‏ وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعاً كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضاً متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية في الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت‏.‏ وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يُلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعاً متساوياً وإنما يتفاوتون في تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعاً واحداً‏.‏

وإطلاق أسماء الجوارح والأعضاء إذا أريد به المجاز عن أعمالها ومصادرها جاز في إجرائه على غير المفرد إفراده وجمعه وقد اجتمعا هنا فأما الإطلاق حقيقة فلم يصح، قال الجاحظ في «البيان»‏:‏ قال بعضهم لغلام له اشتر لي رأس كبشين فقيل له ذلك لا يكون، فقال‏:‏ إذاً فرأسي كبش فزاد كلامه إحالة» وفي «الكشاف» أنهم يقولون ذلك إذا أمن اللبس كقول الشاعر‏:‏

كُلوا في بعضضِ بطنكم تَعُّفوا *** فإنَّ زمانكم زَمَن خَمِيص

وهو نظير ما قاله سيبويه في باب ما لُفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع من نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد ضغت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏ ويقولون ضع رحالهما وإنما هما اثنان وهو خلاف كلام الجاحظ وقد يكون ما عده الجاحظ على القائل خطأً لأن مثل ذلك القائل لا يقصد المعاني الثانية فحمل كلامه على الخطأ لجهله بالعربية ولم يحمل على قصد لطيفة بلاغية بخلاف ما في البيت فضلاً عن الآية كقول علي رضي الله عنه لمن سأله حين مرت جنازة‏:‏ من المتوفى ‏(‏بصيغة اسم الفاعل‏)‏ فقال له علي‏:‏ «الله» لأنه علم أنه أخطأ أراد أن يقول المتوَّفي وإلا فإنه يصح أن يقال توفى فلان بالبناء للفاعل فهو متوف أي استوفى أجله، وقد قرأ عليُّ نفسه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يَتوفون منكم‏}‏ بصيغة المبني للفاعل‏.‏

وبعد كون الختم مجازاً في عدم نفوذ الحق لعقولهم وأسماعهم وكون ذلك مسبباً لا محالة عن إعراضهم ومكابرتهم أسند ذلك الوصف إلى الله تعالى لأنه المقدِّر له على طريقة إسناد نظائر مثل هذا الوصف في غير ما آية من القرآن نحو قوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين طبع الله على قلوبهم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 108‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 28‏]‏ ونظائر ذلك كثيرة في القرآن كثرة تنبو عن التأويل ومحملها عندنا على التحقيق أنها واردة على اعتبار أن كل واقع هو بقدر الله تعالى وأن الله هدى ووفق بعضاً، وأضل وخذل بعضاً في التقدير والتكوين، فلا ينافي ذلك ورود الآية ونظائرها في معنى النعي على الموصوفين بذلك والتشنيع بحالهم لأن ذلك باعتبار ما لهم من الميل والاكتساب، وبالتحقيق القدرة على الفعل والترك التي هي دون الخلق، فالله تعالى قدَّر الشرور وأوجد في الناس القدرة على فعلها ولكنه نهاهم عنها لأنه أوجد في الناس القدرة على تركها أيضاً، فلا تعارض بين القدَر والتكليف إذ كلٌّ راجع إلى جهة خلاف ما توهمته القدرية فنفوا القدَر وهو التقدير والعلم وخلاف ما توهمته المعتزلة من عدم تعلق قدرة الله تعالى بأفعال المكلفين ولا هي مخلوقة له وإنما المخلوق له ذواتهم وآلات أفعالهم، ليتوسلوا بذلك إلى إنكار صحة إسناد مثل هاته الأفعال إلى الله تعالى تنزيهاً له عن إيجاد الفساد، وتأويللِ ما ورد من ذلك‏:‏ على أن ذلك لم يغن عنهم شيئاً لأنهم قائلون بعلمه تعالى بأنهم سيفعلون وهو قادر على سلب القُدَر منهم فبتركه إياهم على تلك القُدرة إمهال لهم على فعل القبيح وهو قبيح، فالتحقيق ما ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة أن الله هو مقدر أفعال العباد إلا أن فِعْلها هو من العبد لا من الله وهو الذي أفصح عنه إمام الحرمين وأضرابُه من المحققين‏.‏

ولا يرد علينا أنه كيف أقدرهم على فعل المعاصي‏؟‏ لأنه يَرد على المعتزلة أيضاً أنه كيف عَلم بعد أن أقدرهم بأنهم شارعون في المعاصي ولم يسلب عنهم القدرة‏؟‏ فكان مذهب الأشاعرة أسعد بالتحقيق وأجرى على طريق الجمع بين ما طفح به الكتاب والسنة من الأدلة‏.‏ ولنا فيه تحقيق أعلى من هذا بسطناه في «رسالة القدرة والتقدر» التي لما تظهر‏.‏

وإسناد الختم المستعمل مجازاً إلى الله تعالى للدلالة على تمكن معنى الختم من قلوبهم وأن لا يرجى زواله كما يقال خِلقةٌ في فلان، والوصف الذي أودعه الله في فلان أوأعطاه فلاناً، وفرق بين هذا الإسناد وبين الإسناد في المجاز العقلي لأن هذا أريد منه لازم المعنى والمجازَ العقلي إنما أسند فيه فعل لغير فاعله لملابسة، والغالب صحة فرض الاعتبارين فيما صلح لأحدهما وإنما يرتكب ما يكون أصلح بالمقام‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏وعلى سمعهم‏}‏ معطوفة على قوله‏:‏ ‏{‏وعلى قلوبهم‏}‏ بإعادة الجار لزيادة التأكيد حتى يكون المعطوف مقصوداً لأن على مؤذنة بالمتعلق فكأنَّ ‏{‏خَتَم‏}‏ كُرر مرتين‏.‏ وفيه ملاحظة كون الأسماع مقصودة بالختم إذ ليس العطف كالتصريح بالعامل‏.‏ وليس قوله ‏{‏وعلى سمعهم‏}‏ خبراً مقدماً لغشاوة لأن الأسماع لا تناسبها الغشاوة وإنما يناسبها السد ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 23‏]‏ ولأن تقديم قوله‏:‏ ‏{‏وعلى أبصارهم‏}‏ دليل على أنه هو الخبر لأن التقديم لتصحيح الابتداء بالنكرة فلو كان قوله‏:‏ ‏{‏وعلى سمعهم‏}‏ هو الخبر لاستغنى بتقديم أحدهما وأبقى الآخر على الأصل من التأخير فقيل وعَلى سمعهم غشاوة وعلى أبصارهم‏.‏

وفي تقديم السمع على البصر في مواقعه من القرآن دليل على أنه أفضل فائدة لصاحبه من البصر فإن التقديم مؤذن بأهمية المقدم وذلك لأن السمع آلة لتلقي المعارف التي بها كمال العقل، وهو وسيلة بلوغ دعوة الأنبياء إلى أفهام الأمم على وجه أكمل من بلوغها بواسطة البصر لو فقد السمع، ولأن السمع ترد إليه الأصوات المسموعة من الجهات الست بدون توجه، بخلاف البصر فإنه يحتاج إلى التوجه بالالتفات إلى الجهات غير المقابلة‏.‏

‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ‏}‏‏.‏

العذاب‏:‏ الألم، وقد قيل إن أصله الإعذاب مصدر أعذب إذا أزال العذوبة لأن العذاب يزيل حلاوة العيش فصيغ منه اسم مصدر بحذف الهمزة، أو هو اسم موضع للألم بدون ملاحظة اشتقاق من العذوبة إذ ليس يلزم مصير الكلمة إلى نظيرتها في الحروف‏.‏ ووصف العذاب بالعظيم دليل على أن تنكير عذاب للنوعية وذلك اهتمام بالتنصيص على عظمه لأن التنكير وإن كان صالحاً للدلالة على التعظيم إلا أنه ليس بنص فيه ولا يجوز أن يكون ‏{‏عظيم‏}‏ تأكيداً لما يفيده التنكير من التعظيم كما ظنه صاحب «المفتاح» لأن دلالة التنكير على التعظيم غير وضعية، والمدلولات غير الوضعية يستغني عنها إذا ورد ما يدل عليها وضعاً فلا يعد تأكيداً‏.‏ والعذاب في الآية، إما عذاب النار في الآخر، وإما عذاب القتل والمسغبة في الدنيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

هذا فريق آخر وهو فريق له ظاهر الإيمان وباطنه الكفر وهو لا يعدُو أن يكون مبطناً الشرك أو مبطناً التمسك باليهودية ويجمعه كله إظهار الإيمان كذباً، فالواو لِعطف طائفة من الجمل على طائفة مسوققٍ كل منهما لغرض جمعتهما في الذكر المناسبة بين الغرضين فلا يتطلب في مثله إلا المناسبة بين الغرضين لا المناسبةُ بين كل جملة وأخرى من كلا الغرضين على ما حققه التفتزاني في ‏{‏شرح الكشاف‏}‏، وقال السيد إنه أصل عظيم في باب العطف لم ينتبه له كثيرون فأشكل عليهم الأمر في مواضع شتى وأصله مأخوذ من قول «الكشاف»‏:‏ «وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة ‏{‏الذين كفروا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏ كما تُعطف الجملة على الجملة» فأفاد بالتشبيه أن ذلك ليس من عطف الجملة على الجملة‏.‏ قال المحقق عبد الحكيم‏:‏ وهذا ما أهمله السكاكي أي في أحوال الفصل والوصل وتفرد به صاحب «الكشاف»‏.‏

واعلم أن الآيات السابقة لما انتقل فيها من الثناء على القرآن بذكر المهتدين به بنوعيْهم الذين يؤمنون بالغيب والذين يؤمنون بما أنزل إليك إلى آخر ما تقدم، وانتقل من الثناء عليهم إلى ذكر أضدادهم وهم الكافرون الذين أريد بهم الكافرون صراحةً وهم المشركون، كان السامع قد ظن أن الذين أظهروا الإيمان داخلون في قوله ‏{‏الذين يؤمنون بالغيب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 3‏]‏ فلم يكن السامع سائلاً عن قسم آخر وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الشرك أو غيرَه وهم المنافقون الذين هم المراد هنا بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 14‏]‏ الخ، لأنه لغرابته وندرة وصفه بحيث لا يخطر بالبال وجوده ناسب أن يذكر أمره للسامعين، ولذلك جاء بهذه الجملة معطوفة بالواو إذ ليست الجملة المتقدمة مقتضية لها ولا مثيرة لمدلولها في نفوس السامعين، بخلاف جملة‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا سواء عليهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏ تُرك عطفها على التي قبلها لأن ذكر مضمونها بعد المؤمنين كان مترقباً للسامع، فكان السامع كالسائل عنه فجاء الفصل للاستئناف البياني‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن الناس‏}‏ خبر مقدم لا محالة وقد يتراءى أن الإخبار بمثله قليل الجدوى لأنه إذا كان المبتدأ دالاً على ذات مثله، أو معنى لا يكون إلا في الناس كانَ الإخبار عن المبتدأ بأنه من الناس أو في الناس غير مجد بخلاف قولك الخَضِر من الناس، أي لا من الملائكة فإن الفائدة ظاهرة، فوجه الإخبار بقولهم من الناس في نحو الآية ونحو قول بعض أعزة الأصحاب في تهنئة لي بخطة القضاء‏:‏

في الناس من ألقَى قِلادتها إلى *** خَلففٍ فحرَّم ما ابْتَغَى وأباحا

إن القصد إخفاء مدلول الخبر عنه كما تقول قال هذا إنسانٌ وذلك عندما يكون الحديث يكسب ذماً أو نقصاناً، ومنه قول النبيء صلى الله عليه وسلم

«ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله» وقد كثر تقديم الخبر في مثل هذا التركيب لأن في تقديمه تنبيهاً للسامع على عجيب ما سيذكر، وتشويقاً لمعرفة ما يتم به الإخبار ولو أُخر لكان موقعه زائداً لحصول العلم بأن ما ذكره المتكلم لا يقع إلا من إنسان كقول موسى بننِ جابر الحنفي‏:‏

ومن الرجال أسنة مذروبة *** ومزنَّدون وشاهد كالغائب

وقد قيل إن موقع ‏{‏من الناس‏}‏ مؤذن بالتعجب وإن أصل الخبر إفادة أن فاعل هذا الفعل من الناس لئلا يظنه المخاطَب من غير الناس لشناعة الفعل، وهذا بعيد عن القصد لأنه لو كان كما قال لم يكن للتقديم فائدة بل كان تأخيره أولى حتى يتقرر الأمر الذي يوهم أن المبتدأ ليس ‏{‏من الناس‏}‏، هذا توجيه هذا الاستعمال وذلك حيث لا يكون لظاهر الإخبار بكون المتحدث عنه من أفراد الناس كبير فائدة فإن كان القصد إفادة ذلك حيث يجهله المخاطب كقولك من الرجال من يَلْبَس برقعاً تريد الإخبار عن القوم المُدْعَوْن بالمُلَثَّمِين ‏(‏من لَمْتُونة‏)‏، أو حيث ينزَّل المخاطَب منزلة الجاهل كقول عبد الله بن الزَّبِير ‏(‏بفتح الزاي وكسر الباء‏)‏‏:‏

وفي الناس إنْ رثَّت حبالُك وَاصل *** وفي الأَرض عن دار القِلَى مُتَحَوَّل

إذا كان حال المخاطبين حالَ من يظن أن المتكلم لا يجد من يصله إن قطعه هو، فذِكر ‏{‏من الناس‏}‏ ونحوه في مثل هذا وارد على أصل الإخبار، وتقديم الخبر هنا للتشويق إلى استعلام المبتدأ وليس فيه إفادة تخصيص‏.‏ وإذا علمت أن قوله ‏{‏من الناس‏}‏ مؤذن بأن المتحدث عنهم ستساق في شأنهم قصة مذمومة وحالة شنيعة إذ لا يُستر ذكرهم إلا لأن حالهم من الشناعة بحيث يستحي المتكلم أن يصرح بموصوفها وفي ذلك من تحقير شأن النفاق ومذمته أمر كبير، فوردت في شأنهم ثلاثَ عشرة آيةً نُعِيَ عليهم فيها خُبثهم ومكرهم، وسوء عواقبهم، وسفه أحلامهم، وجهالتهم، وأردف ذلك كله بشتم واستهزاء وتمثيل حالهم في أشنع الصور وهم أحرياء بذلك فإن الخطة التي تدربوا فيها تجمع مذام كثيرة إذِ النفاق يجمع الكذب، والجبن، والمكيدة، وأفنَ الرأي، والبلَه، وسوءَ السلوك، والطمَع، وإضاعَة العمر، وزوالَ الثقة، وعداوةَ الأصحاب، واضمحلالَ الفضيلة‏.‏

أما الكذب فظاهر، وأما الجبن فلأنه لولاه لما دعاه داع إلى مخالفة ما يبطن، وأما المكيدة فإنه يحمل على اتقاء الاطلاع عليه بكل ما يمكن، وأما أَفَن الرأي فلأن ذلك دليل على ضعف في العقل إذ لا داعي إلى ذلك، وأما البلَه فللجهل بأن ذلك لا يطول الاغترار به، وأما سوء السلوك فلأنَّ طَبْع النفاق إخفاء الصفات المذمومة، والصفات المذمومة، إذا لم تظهر لا يمكن للمربي ولا للصديق ولا لعموم الناس تغييرها على صاحبها فتبقى كما هي وتزيد تمكناً بطول الزمان حتى تصير ملكة يتعذر زوالها، وأما الطمع فلأن غالب أحوال النفاق يكون للرغبة في حصول النفع، وأما إضاعة العمر فلأن العقل ينصرف إلى ترويج أحوال النفاق وما يلزم إجراؤه مع الناس ونصْببِ الحيل لإخفاء ذلك وفي ذلك ما يصرف الذهن عن الشغل بما يجدي، وأما زوال الثقة فلأن الناس إن اطلعوا عليه ساء ظنهم فلا يثقون بشيء يقع منه ولو حَقاً، وأما عداوة الأصحاب فكذلك لأنه إذا عَلِم أن ذلك خلُق لصاحبه خَشِيَ غدره فحذره فأدى ذلك إلى عداوته، وأما اضمحلال الفضيلة فنتيجة ذلك كله‏.‏

وقد أشار قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هم بمؤمنين‏}‏ إلى الكذب، وقولُه‏:‏ ‏{‏يخادعون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9‏]‏ إلى المكيدة والجبن، وقوله‏:‏ ‏{‏ما يخادعون إلا أنفسهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9‏]‏ إلى أفن الرأي، وقوله‏:‏ ‏{‏وما يشعرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9‏]‏ إلى البلَه، وقوله‏:‏ ‏{‏في قلوبهم مرض‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 10‏]‏ إلى سوء السلوك، وقوله‏:‏ ‏{‏فزادهم الله مرضاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 10‏]‏ إلى دوام ذلك وتزايدِه مع الزمان، وقولُه‏:‏ ‏{‏قالوا إنما نحن مصلحون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 11‏]‏ إلى إضاعة العمر في غير المقصود، وقولُه‏:‏ ‏{‏قالوا إنا معكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 14‏]‏ مؤكَّداً بإنَّ إلى قلة ثقة أصحابهم فيهم، وقولُه‏:‏ ‏{‏فما ربحت تجارتهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 16‏]‏ إلى أن أمرهم لم يحظ بالقبول عند أصحابهم، وقوله‏:‏ ‏{‏صم بكم عمي فهم لا يعقلون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 18‏]‏ إلى اضمحلال الفضيلة منهم وسيجيء تفصيل لهذا، وجمع عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في قلوبهم مرض‏}‏‏.‏

والناس اسم جمع إنْسِيّ بكسر الهمزة وياء النسب فهو عوض عن أَنَاسِيَ الذي هو الجمع القياسي لإنْس وقد عوضوا عن أناسي أُناس بضم الهمزة وطرح ياء النسب، دَلّ على هذا التعويض ظهور ذلك في قول عَبيد بن الأبرص الأسدي يخاطب امرأ القيس‏:‏

إنَّ المنايا يطَّلِعْ *** نَ على الأُناس الآمِنِينا

ثم حذفوا همزته تخفيفاً، وحذفُ الهمزة للتخفيف شائع كما قالوا لُوقَة في أَلُوقَة وهي الزُّبدة، وقد التزم حذف همزة أناس عند دخول أل عليه غالباً بخلاف المجرد من أل فذكر الهمزة وحذفُها شائع فيه وقد قيل إن نَاس جمع وإنه من جموع جاءت على وزن فُعال بضم الفاء مثل ظُؤار جمع ظِئْر، ورُخال جمع رَخِل وهي الأنثى الصغيرة من الضأن ووزن فُعال قليل في الجموع في كلام العرب وقد اهتم أئمة اللغة بجمع ما ورد منه فذكرها ابن خالويه في «كتاب ‏(‏لَيْس‏)‏» وابنُ السكيت وابن بري‏.‏ وقد عد المتقدمون منها ثمانية جُمعت في ثلاثة أبيات تُنسب للزمخشري والصحيح أنها لصدر الأفاضل تلميذه ثم ألْحَقَ كثير من اللغويين بتلك الثماننِ كلماتتٍ أخر حتى أُنِهيتَ إلى أربع وعشرين جمعاً ذكرها الشهاب الخفاجي في «شرح درة الغواص» وذكر معظَمَها في «حاشيته على تفسير البيضاوي» وهي فائدة من علم اللغة فارجعوا إليها إن شئتم‏.‏

وقيل إن ما جاء بهذا الوزن أسماء جموع، وكلام «الكشاف» يؤذن به ومفرد هذا الجمع إنسي أو إنس أو إنسان وكله مشتق من أَنِسَ ضد توحش لأن الإنسان يألف ويأْنَس‏.‏

والتعريف في الناس للجنس لأن ما علمت من استعماله في كلامهم يؤيد إرادة الجنس ويجوز أن يكون التعريف للعهد والمعهود هم الناس المتقدم ذكرهم في قوله‏:‏

‏{‏إن الذين كفروا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏ أو الناس الذين يعهدهم النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمون في هذا الشأن، و‏(‏مَنْ‏)‏ موصولة والمراد بها فريق وجماعة بقرينة قوله ‏{‏وما هم بمؤمنين‏}‏ وما بعده من صيغ الجمع‏.‏

والمذكور بقوله‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يقول‏}‏ الخ قسم ثالث مقابل للقسمين المتقدمين للتمايز بين الجميع بأَشْهر الصفات وإن كان بين البعض أو الجميع صفات متفقة في الجملة فلا يشتبه وجه جعل المنافقين قسيماً للكافرين مع أنهم منهم لأن المراد بالتقسيم الصفات المخصصة‏.‏

وإنما اقتصر القرآن من أقوالهم على قولهم ‏{‏آمنا بالله وباليوم الآخر‏}‏ مع أنهم أظهروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم إيجازاً لأن الأول هو مبدأ الاعتقادات كلها لأن من لم يؤمن برب واحد لا يصل إلى الإيمان بالرسول إذ الإيمان بالله هو الأصل وبه يصلح الاعتقاد وهو أصل العمل، والثاني هو الوازع والباعث في الأعمال كلها وفيه صلاح الحال العملي أوهم الذين اقتصروا في قولهم على هذا القول لأنهم لغلوهم في الكفر لا يستطيعون أن يذكروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم استثقالاً لهذا الاعتراف فيقتصرون على ذكر الله واليوم الآخر إيهاماً للاكتفاء ظاهراً ومحافظة على كفرهم باطناً لأن أكثرهم وقادتهم من اليهود‏.‏

وفي التعبير بيقول في مثل هذا المقام إيماء إلى أن ذلك قول غير مطابق للواقع لأن الخبر المحكي عن الغير إذا لم يتعلق الغرض بذكر نصه وحكى بلفظ يقول أوْمأ ذلك إلى أنه غير مطابق لاعتقاده أو أن المتكلم يكذبه في ذلك، ففيه تمهيد لقوله‏:‏ ‏{‏وما هم بمؤمنين‏}‏ وجملة وما هم بمؤمنين في موضع الحال من ضمير ‏{‏يقول‏}‏ أي يقول هذا القول في حال أنهم غير مؤمنين‏.‏

والآية أشارت إلى طائفة من الكفار وهم المنافقون الذين كان بعضهم من أهل يثرب وبعضهم من اليهود الذين أظهروا الإسلام وبقيتهم من الأعراب المجاورين لهم، ورد في حديث كعب بن مالك أن المنافقين الذين تخلفوا في غزوة تبوك بضعة وثمانون، وقد عرف من أسمائهم عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنافقين، والجد بن قيس، ومعتب بن قشير، والجلاس بن سويد الذي نزل فيه‏:‏ ‏{‏يحلفون بالله ما قالوا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 74‏]‏، وعبد الله بن سبأ اليهودي ولَبيد بن الأَعْصَم من بني زُريق حليف اليهود كما في باب السحر من كتاب الطب من «صحيح البخاري»، والأخْنَس أُبَىُّ بنُ شَرِيق الثقفي كان يظهر الود والإيمان وسيأتي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يعجبك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 204‏]‏، وزَيد بن اللُّصَيْت القَيْنُقَاعي ووديعة بن ثابت من بني عَمرو بن عَوف، ومُخَشِّن بن حُمَيِّر الأشجعي اللذين كانا يثبطان المسلمين من غزوة تبوك، وقد قيل إن زيد بن اللُّصَيْت تابَ وحسن حاله، وقيل لا، وأما مُخَشِّن فتاب وعفا الله عنه وقُتل شهيداً يوم اليمامة‏.‏

وفي كتاب «المرتبة الرابَعة» لابن حزم قد ذكر قوم مُعتِّب بن قشير الأوسي من بني عَمرو بن عوف في المنافقين وهذا باطل لأن حضوره بدراً يبطل هذا الظن بلا شك ولكنه ظهر منه يوم أحد ما يدل على ضعف إيمانه فلَمزوه بالنفاق فإنه القائل يوم أُحد‏:‏ ‏{‏لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏، رواه عنه الزبير بن العوام قال ابن عطية كان مغموصاً بالنفاق‏.‏ ومن المنافقين أبو عَفَك أحدُ بني عَمرو بن عوف ظهر نفاقه حين قَتَل رسولُ الله الحارثَ بن سويد بن صامت وقال شعراً يعرض بالنبيء صلى الله عليه وسلم وقد أمر رسول الله بقتل أبي عَفَك فقتَله سالم بن عُمير، ومن المنافقات عَصماء بنت مروان من بني أمية بننِ زيد نافقت لما قتل أبو عَفَك وقالت شعراً تعرض بالنبي قتلها عمير بن عدي الخطمي وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينتطح فيها عَنْزَانِ»، ومن المنافقين بشير بنُ أُبيرق كان منافقاً يهجو أصحاب رسول الله وشهد أحداً ومنهم ثعلبة بن حاطب وهو قد أسلم وعد من أهل بدر، ومنهم بشر المنافق كان من الأنصار وهو الذي خاصم يهودياً فدعا اليهوديُّ بشراً إلى حكم النبيء فامتنع بِشر وطلب المحاكمة إلى كعب بن الأشرف وهذا هو الذي قتله عُمر وقصته في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك‏}‏ في سورة النساء ‏(‏60‏)‏‏.‏ وعن ابن عباس أن المنافقين على عهد رسول الله كانوا ثلاثمائة من الرجال ومائة وسبعين من النساء، فأما المنافقون من الأوس والخزرج فالذي سن لهم النفاق وجمعهم عليه هو عبد الله بن أُبى حسَداً وحنَقاً على الإسلام لأنه قد كان أهل يثرب بعد أن انقضت حروب بُعاث بينهم وهلك جل ساداتهم فيها قد اصطلحوا على أن يجعلوه ملكاً عليهم ويعصبوه بالعصابة‏.‏ قال سعد بن عبادة للنبيء في حديث البخاري‏:‏ اعف عنه يا رسول الله واصفح فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شَرِق بذلك ا ه‏.‏

وأما اليهود فلأنهم أهل مكر بكل دين يظهر ولأنهم خافوا زوال شوكتهم الحالية من جهات الحجاز، وأما الأعراب فهم تبع لهؤلاء ولذلك جاء‏:‏ ‏{‏الأعرابُ أشد كفراً ونفاقاً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 97‏]‏ الآية، لأنهم يقلدون عن غير بصيرة وكل من جاء بعدهم على مثل صفاتهم فهو لاحق بهم فيما نعى الله عليهم وهذا معنى قول سلمان الفارسي في تفسير هذه الآية‏:‏ «لم يجيء هؤلاء بعد» قال ابن عطية معنى قوله أنهم لم ينقرضوا بل يجيئون من كل زمان ا ه، يعني أن سلمان لا ينكر ثبوت هذا الوصف لطائفة في زمن النبوة ولكن لا يرى المقصد من الآية حصر المذمة فيهم بل وفي الذين يجيئون من بعدهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما هم بمؤمنين‏}‏ جيء في نفي قولهم بالجُملة الاسمية ولم يجيء على وزان قولهم‏:‏ ‏{‏آمَنَّا‏}‏ بأن يقال وما آمنوا لأنهم لما أثبتوا الإيمان لأنفسهم كان الإتيان بالماضي أشمل حالاً لاقتضائه تحقق الإيمان فيما مضى بالصراحة ودوامَه بالالتزام؛ لأن الأصل ألا يتغير الاعتقاد بلا موجب كيف والدين هو هو، ولما أريد نفي الإيمان عنهم كان نفيه في الماضي لا يسلتزم عدم تحققه في الحال بلهَ الاستقبال فكان قوله‏:‏ ‏{‏وما هم بمؤمنين‏}‏ دالاً على انتفائه عنهم في الحال، لأن اسم الفاعل حقيقة في زمن الحال وذلك النفي يستلزم انتفاءه في الماضي بالأُوْلى، ولأن الجملة الفعلية تدل على الاهتمام بشأن الفعل دون الفاعل فلذلك حكى بها كلامهم لأنهم لما رأوا المسلمين يتطلبون معرفة حصول إيمانهم قالوا ‏{‏آمنَّا‏}‏، والجملةُ الاسمية تدل على الاهتمام بشأن الفاعل أي إن القائلين ‏{‏آمنا‏}‏ لم يقع منهم إيمان فالاهتمام بهم في الفعل المنفي تسجيل لكذبهم وهذا من مواطن الفروق بين الجملتين الفعلية والاسمية وهو مُصَدَّق بقاعدة إفادة التقديم الاهتمام مطلقاً وإن أهملوا التنبيه على جريان تلك القاعدة عندما ذكروا الفروق بين الجملة الفعلية والاسمية في كتب المعاني وأشار إليه صاحب «الكشاف» هنا بكلام دقيق الدلالة‏.‏

فإن قلت‏:‏ كان عبد الله بن سَعْد بن أبي سرح أسلم ثم ارتد وزعم بعد ردته أنه كان يكتب القرآن وأنه كان يُملي عليه النبيء صلى الله عليه وسلم عزيز حكيم مثلاً فيكتبها غفور رحيم مَثَلاً والعكسُ وهذا من عدم الإيمان فيكون حينئذٍ من المنافقين الذين آمنوا بعد، فالجواب أن هذا من نقل المؤرخين وهم لا يعتد بكلامهم في مثل هذا الشأن لا سيما وولاية عبد الله ابن أبي سرح الإمارة من جملة ما نقمه الثوار على عثمان وتحامُل المؤرخين فيها معلوم لأنهم تلقوها من الناقمين وأشياعهم، والأدلة الشرعية تنفي هذا لأنه لو صح للزم عليه دخول الشك في الدين ولو حاول عبد الله هذا لأَعلم الله تعالى به رسولَه لأنه لا يجوز على الرسول السهو والغفلة فيما يرجع إلى التبليغ على أنه مزيف من حيث العقل إذ لو أراد أن يكيد للدين لكان الأجدر به تحريف غير ذلك، على أن هذا كلام قاله في وقت ارتداده وقوله حينئذٍ في الدين غير مصدَّق لأنه متهم بقصد ترويج ردته عند المشركين بمكة وقد علمت من المقدمة الثامنة من هذا التفسير أن العمدة في آيات القرآن على حفظ حُفَّاظه وقراءة النبيء صلى الله عليه وسلم وإنما كان يأمر بكتابته لقصد المراجعة للمسلمين إذا احتاجوا إليه، ولم يَرْوِ أَحَدٌ أنه وقع الاحتياج إلى مراجعة ما كُتب من القرآن إلا في زمن أبي بكر، ولم ينقل أن حفاظ القرآن وجدوا خلافاً بين محفوظهم وبين الأصول المكتوبة، على أن عبد الله بن أبي سرح لم يكن منفرداً بكتابة الوحي فقد كان يكتب معه آخرون‏.‏

ونفي الإيمان عنهم مع قولهم ‏{‏آمنا‏}‏ دليل صريح على أن مسمى الإيمان التصديق وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذباً فلا يكون ذلك النطق إيماناً، والإيمان في الشرع هو الاعتقاد الجازم بثبوت ما يعلم أنه من الدين علماً ضرورياً بحيث يكون ثابتاً بدليل قطعي عند جميع أئمة الدين ويشتهر كونه من مقومات الاعتقاد الإسلامي اللازم لكل مسلم اشتهاراً بين الخاصة من علماء الدين والعامة من المسلمين بحيث لا نزاع فيه فقد نقل الإيمان في الشرع إلى تصديق خاص وقد أفصح عنه الحديث الصحيح عن عُمر أن جبريل جاء فسأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال‏:‏ ‏"‏ الإيمانُ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوممِ الآخر وتؤمنَ بالقدَر خيره وشره ‏"‏

وقد اختلفت علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو وتطرقوا أيضاً إلى حقيقة الإسلام ونحن نجمع متناثر المنقول منهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في جملة مختصرة‏.‏ وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال‏:‏

القول الأول‏:‏ قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا إن الإيمان هو التصديق لا مسمى له غيرُ ذلك وهو مسماه اللغوي فينبغي ألا ينقل من معناه لأن الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بيّنها الدين وليس استعمال اللفظ العام في بعض أفراده بنقله له عن معناه اللغوي وغلب في لسان الشرعيين على ذلك التصديق واحتجوا بعدة أدلة هي من أخبار الآحاد ولكنها كثيرة كثرةً تلحقها بالمستفيض‏.‏

من ذلك حديث جبريل المتقدم وحديث سعد أنه قال «يا رسول الله‏:‏ مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً فقال‏:‏ أوْ مسلماً»، قالوا وأما النطق والأعمال فهي من الإسلام لا من مفهوم الإيمان لأن الإسلام الاستسلام والانقياد بالجسد دون القلب ودليل التفرقة بينهما اللغة وحديث جبريل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 14‏]‏ ولما رواه مسلم عن طلحة بن عبيد الله أنه جاء رجل من نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإسلام فبين له النبيء صلى الله عليه وسلم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، ونسب هذا القول إلى مالك بن أنس أخذاً من قوله في «المدونة»‏:‏ «من اغتسل وقد أجمع على الإسلام بقلبه أجزأَه» قال ابن رشد لأن إسلامه بقلبه فلو مات مات مؤمناً، وهو مأخذ بعيد وستعلم أن قول مالك بخلافه‏.‏

ونسب هذا أيضاً إلى الأشعري قال إمام الحرمين في «الإرشاد» وهو المرضي عندنا، وبه قال الزهري من التابعين‏.‏

القول الثاني‏:‏ إن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين للإقرار بذلك الاعتقاد فيكون الإيمان منقولاً شرعاً لهذا المعنى فلا يعتد بالاعتقاد شرعاً إلا إذا انضم إليه النطق ونقل هذا عن أبي حنيفة ونسبه النووي إلى جمهور الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين ونسبه الفخر إلى الأشعري وبشر المريسي، ونسبه الخفاجي إلى محققي الأشاعرة واختاره ابن العربي، قال النووي وبذلك يكون الإنسان من أهل القبلة‏.‏

قلت ولا أحسب أن بين هذا والقول الأول فرقاً وإنما نظر كل قيل إلى جانب، فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى الاعتداد ولم يعتنوا بضبط عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن الاقتصار على الاعتقاد هل هو منج فيما بين المرء وبين ربه أو لا بد من الإقرار‏؟‏ حكاه البيضاوي في «التفسير» ومال إلى الثاني ويؤخذ من كلامهم أنه لو ترك الإقرار لا عن مكابرة كان ناجياً مثل الأخرس والمغفل والمشتغل شغلاً اتصل بموته‏.‏ واحتجوا بإطلاق الإيمان على الإسلام والعكس في مواضع من الكتاب والسنة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 35، 36‏]‏ وفي حديث وفد عبد القيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ ‏"‏ آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله‏؟‏ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة ‏"‏ الخ وهذه أخبار آحاد فالاستدلال بها في أصل من الدين إنما هو مجرد تقريب على أن معظمها لا يدل على إطلاق الإيمان على حالة ليس معها حالة إسلام‏.‏

القول الثالث‏:‏ قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالاً تقصر في الامتثال، ونسب ذلك إلى مالك وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي وابن جريج والنخعي والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وابن المبارك والبخاري ونسب لابن مسعود وحذيفة وبه قال ابن حزم من الظاهرية وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث، وبذلك أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 4‏]‏ الخ‏.‏ وجاء في الحديث‏:‏ ‏"‏ الإيمان بضع وسبعون شعبة ‏"‏ فدل ذلك على قبوله للتفاضل‏.‏ وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ‏"‏ أي ليس متصفاً حينئذٍ بكمال الإيمان‏.‏

ونقل عن مالك أنه يزيد ولا ينقص فقيل إنما أمسك مالك عن القول بنقصانه خشية أن يظن به موافقة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب‏.‏ قال ابن بطال وهذا لا يخالف قول مالك بأن الإيمان هو التصديق وهو لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله وإنما أراد هؤلاء الأئمة الرد على المرجئة في قولهم إن الإيمان قول بلا عمل ا ه‏.‏ ولم يتابعهم عليه المتأخرون لأنهم رأوه شرحاً للإيمان الكامل وليس فيه النزاع إنما النزاع في أصل مسمى الإيمان وأول درجات النجاة من الخلود ولذلك أنكر أكثر المتكلمين أن يقال الإيمان يزيد وينقص وتأولوا نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليزدادوا إيماناً‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 4‏]‏ بأن المراد تعدد الأدلة حتى يدوموا على الإيمان وهو التحقيق‏.‏

القول الرابع‏:‏ قول الخوارج والمعتزلة إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل كما جاء في القول الثالث إلا أنهم أرادوا من قولهم حقيقة ظاهره من تركب الإيمان من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان، ولهم في تقرير بطلانه بنقص الأعمال الواجبة مذاهب غير منتظمة ولا معضودة بأدلة سوى التعلق بظواهر بعض الآثار مع الإهمال لما يعارضها من مثلها‏.‏

فأما الخوارج فقالوا إن تارك شيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد في النار فالأعمال جزء من الإيمان وأرادوا من الأعمال فعل الواجبات وترك المحرمات ولو صغائر، إذ جميع الذنوب عندهم كبائر، وأما غير ذلك من الأعمال كالمندوبات والمستحبات فلا يوجب تركها خلوداً، إذ لا يقول مسلم إن ترك السنن والمندوبات يوجب الكفر والخلود في النار، وكذلك فعل المكروهات‏.‏

وقالت الإباضية من الخوارج إن تارك بعض الواجبات كافر لكن كفره كفر نعمة لا شرك، نقله إمام الحرمين عنهم وهو الذي سمعناه من طلبتهم‏.‏

وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في أن للأعمال حظاً من الإيمان إلا أنهم خالفوهم في مقاديرها ومذاهب المعتزلة في هذا الموضع غير منضبطة، فقال قدماؤهم وهو المشهور عنهم إن العاصي مخلد في النار لكنه لا يوصف بالكفر ولا بالإيمان ووصفوه بالفسق وجعلوا استحقاق الخلود لارتكاب الكبيرة خاصة، وكذلك نسب إليهم ابن حزم في كتاب «الفصل»، وقال واصل بن عطاء الغزّال إن مرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين أي لا يوصف بإيمان ولا كفر فيفارق بذلك قول الخوارج وقول المرجئة ووافقه عمرو بن عبيد على ذلك‏.‏ وهذه هي المسألة التي بسببها قال الحسن البصري لواصل وعمرو بن عبيد اعتزل مجلسنا‏.‏ ودرج على هذا جميعهم، لكنهم اضطربوا أو اضطرب النقل عنهم في مسمى المنزلة بين المنزلتين، فقال إمام الحرمين في «الإرشاد» إن جمهورهم قالوا إن الكبيرة تحبط ثواب الطاعات وإن كثرت، ومعناه لا محالة أنها توجب الخلود في النار وبذلك جزم التفتزاني في «شرح الكشاف» وفي «المقاصد»، وقال إن المنزلة بين المنزلتين هي موجبة للخلود وإنما أثبتوا المنزلة لعدم إطلاق اسم الكفر ولإجراء أحكام المؤمنين على صاحبها في ظاهر الحال في الدنيا بحيث لا يعتبر مرتكب المعصية كالمرتد فيقتل‏.‏

وقال في «المقاصد» ومثله في «الإرشاد»‏:‏ المختار عندهم خلاف المشتهر فإن أبا علي وابنه وكثيراً من محققيهم ومتأخريهم قالوا إن الكبائر إنما توجب دخول النار إذا زاد عقابها على ثواب الطاعات فإن أرْبت الطاعات على السيئات درأت السيئات، وليس النظر إلى أعداد الطاعات ولا الزلات، وإنما النظر إلى مقدار الأجور والأوزار فرب كبيرة واحدة يغلب وزرها طاعات كثيرة العدد، ولا سبيل إلى ضبط هذه المقادير بل أمرها موكول إلى علم الله تعالى، فإن استوت الحسنات والسيئات فقد اضطربوا في ذلك فهذا محل المنزلة بين المنزلتين‏.‏ ونقل ابن حزم في «الفِصَل» عن جماعة منهم، فيهم بشر المريسي والأصَم من استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف ولهم وقفة لا يدخلون النار مدة ثم يدخلون الجنة ومن رجحت سيئاته فهو مجازى بقدْر ما رجح له من الذنوب فمِن لفحة واحدة إلى بقاء خمسين ألف سنة في النار ثم يخرجون منها بالشفاعة‏.‏ وهذا يقتضي أن هؤلاء لا يرون الخلود‏.‏ وقد نقل البعض عن المعتزلة أن المنزلة بين المنزلتين لا جنة ولا نار إلا أن التفتزاني في «المقاصد» غلَّط هذا البعض وكذلك قال في «شرح الكشاف»‏.‏ وقد قرر صاحب «الكشاف» حقيقة المنزلة بين المنزلتين بكلام مجمل فقال في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يضل به إلا الفاسقين‏}‏ من سورة البقرة ‏(‏26‏)‏ والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلتي المؤمن والكافر‏.‏ وقالوا إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء وكونه بين بين أن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكَح ويوارَث ويغسَّل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة ا ه، فتراه مع إيضاحه لم يذكر فيه أنه خالد في النار وصرح في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها‏}‏ في سورة النساء ‏(‏93‏)‏ بما يعمم خلود أهل الكبائر دون توبة في النار‏.‏ قلت وكان الشأن أن إجراء الأحكام الإسلامية عليه في الدنيا يقتضي أنه غير خالد إذ لا يعقل أن تجري عليه أحكام المسلمين وتنتفي عنه الثمرة التي لأجلها فارق الكفر إذ المسلم إنما أسلم فراراً من الخلود في النار فكيف يكون ارتكاب بعض المعاصي موجباً لانتقاض فائدة الإسلام، وإذا كان أحد لا يَسْلم من أن يقارف معصية وكانت التوبة الصادقة قد تتأخر وقد لا تحصل فيلزمهم ويلزم الخوارج أن يعُدوا جمهور المسلمين كفاراً وبئس مُنكراً من القول‏.‏

على أن هذا مما يجرّيء العصاة على نقض عرى الدين إذ ينسَلُّ عنه المسلمون لانعدام الفائدة التي أسلموا لأجلها بحكم‏:‏ أنا الغريق فما خوفي من البلل، ومن العجيب أن يَصدر هذا القول من عاقل فضلاً عن عالم، ثم الأعجب منه عكوف أتباعهم عليه تَلُوكه ألسنتهم ولا تفقهه أفئدتهم وكيف لم يقيض فيهم عالم منصف ينبري لهاته الترهات فيهذبها أو يؤولها كما أراد جمهور علماء السنة من صدر الأمة فَمن يليهم‏.‏

القول الخامس‏:‏‏}‏ قالت الكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف الاعتقادُ القولَ فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق، فأما إذا كان يعتقد خلاف مقاله بطل إيمانه وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان من نطق بالشهادتين وإن لم يَشغل عقله باعتقاد مدلولهما بل يكتفَى منه بأنه لا يضمر خلاف مدلولهما وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها‏.‏ أو أرادوا أنه تجري عليه في الظاهر أحكام المؤمنين مع أن الكرامية لا ينكرون أن من يعتقد خلاف ما نطق به من الشهادتين أنه خالد في النار يوم القيامة، وفي «تفسير الفخر» أن غَيلان الدمشقي وافق الكرامية‏.‏

هذه جوامع أقوال الفرق الإسلامية في مسمى الإيمان‏.‏ وأنا أقول كلمة أربأُ بها عن الانحيَاز إلى نصرة وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام وتعاقبت الأقوام بعد الأقوام يعد نقصاً علمياً لا ينبغي البقاء عليه، ولا أَعْرِفَنِّي بعد هذا اليوم ملتفتاً إليه‏.‏

لا جرم أن الشريعة أول ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام ليخرجوا بذلك من عقائد الشرك ومناوأة هذا الدين فإذا حصل ذلك تهيأت النفوس لقبول الخيرات وأفاضت الشريعة عليها من تلك النيرات فكانت في تلقي ذلك على حسب استعدادها زينة لمعاشها في هذا العالم ومعادها، فالإيمان والإسلام هما الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء وأهل الخير حداً لا يقبل تفاوتاً ولا تشككاً، لأن شأن الحدود أن لا تكون متفاوتة كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فماذا بعد الحق إلا الضلال‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 32‏]‏، ولا يدعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام، فيكابرَ لغة تتلَى عليه، كيف وقد فسره الرسول لذلك الجالس عند ركبتيه‏.‏ فما الذين ادعَوْه إلا قوم قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا بالأمرين وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنة بأحد اللفظين، في مقام خطاب الذين تحلوا بكلتا الخصلتين، فانتظم القولان الأول والثاني‏.‏

إن موجب اضطراب الأقوال في التمييز بين حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام أمران‏:‏ أحدهما أن الرسالة المحمدية دعت إلى الاعتقاد بوجود الله ووحدانيته وبصدق محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بالغيب ودعت إلى النطق بما يدل على حصول هذا الاعتقاد في نفس المؤمن لأن الاعتقاد لا يعرف إلا بواسطة النطق ولم يقتنع الرسول من أحد بما يُحصِّل الظن بأنه حصَل له هذا الاعتقاد إلا بأن يعترف بذلك بنطقه إذا كان قادراً‏.‏

الثاني‏:‏ أن المؤمنين الذين استجابوا دعوة الرسول لم تكن ظواهرهم مخالفة لعقائدهم إذ لم يكن منهم مسلم يبطن الكفر فكان حصول معنى الإيمان لهم مقارناً لحصول معنى الإسلام وصدَق عليهم أنهم مؤمنون ومسلمون، ثم لما نبع النفاق بعد الهجرة طرأ الاحتياج إلى التفرقة بين حال الذين اتصفوا بالإيمان والإسلام وبين حال الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر تفرقة بالتحذير والتنبيه لا بالتعيين وتمييز الموصوف، لذا كانت ألفاظ القرآن وكلام النبيء تجري في الغالب على مراعاة غالب أحوال المسلمين الجامعين بين المعنيين وربما جرت على مراعاة الأحوال النادرة عند الحاجة إلى التنبيه عليها كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمانُ في قلوبكم‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 14‏]‏ وكما في قول النبيء لمن قال له‏:‏ مَالَكَ عن فلان فوالله إني لأراه مُؤْمناً قال‏:‏ «أوْ مسلما»‏.‏

فحاصل معنى الإيمان حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، وحاصل معنى الإسلام إظهار المرء أنه أسلم نفسه لاتَّباع الدين ودعوة الرسول، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 35‏]‏ الآية‏.‏

وهل يخامركم شك في أن الشريعة ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام لمجرد تعمير العالم الأخروي من جنة ونار لأن الله تعالى قادر على أن يخلق لهذين الموضعين خلْقاً يعمرونهما إن شاء خَلْقَهما، ولكن الله أراد تعمير العالَمين الدنيوي والأخروي، وجعل الدنيا مِصْقَلَة النفوس البشرية تهيئها للتأهل إلى تعمير العالم الأخروي لتلتحق بالملائكة، فجعل الله الشرائع لكف الناس عن سيء الأفعال التي تصدر عنهم بدواعي شهواتهم المفسدة لفطرتهم، وأراد الله حفظ نظام هذا العالم أيضاً ليبقى صالحاً للوفاء بمراد الله إلى أمدٍ أرادَه، فشرع للناس شرْعاً ودعا الناس إلى اتباعه والدخول إلى حظيرته ذلك الدخول المسمى بالإيمان وبالإسلام لاشتراط حصولهما في قِوام حقيقة الانضواء تحت هذا الشرع، ثم يستتبع ذلك إظهارَ تمكين أنفسهم من قبول ما يُرسم لهم من السلوك عن طيب نفس، وثقةٍ بمآلي نزاهة أو رجس‏.‏ وذلك هو الأعمال ائتماراً وانتهاءً وفعلاً وانكفافاً‏.‏ وهذه الغاية هي التي تتفاوت فيها المراتب إلاَّ أن تفاوت أهلها فيها لا ينقص الأصل الذي به دخلوا فإن الآتي بالبعض من الخير قد أتى بما كان أحسنَ من حاله قبل الإيمان، والآتي بمعظم الخير قد فاق الذي دونَه، والآتي بالجميع بقدر الطاقة هو الفائز، بحيث إن الشريعة لا تَعدِم منفعة تحصل من أفراد هؤلاء الذين تسموا بالمؤمنين والمسلمين ومن تلك المراتب حماية الحوزة والدفاع عن البيضة، فهل يشك أحد في أن عَمرو بن معديكرب أيامَ كان لا يرى الانتهاء عن شرب الخمر ويقول إن الله تعالى قال‏:‏

‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 91‏]‏ فقلنا لا إنه قد دَلَّ جهادُه يوم القادِسية على إيمانه وعلى تحقيق شيء كثير من أجزاء إسلامه فهل يُعد سواءً والكافرين في كونه يخلد في النار‏؟‏

فالأعمال إذن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة المقصد لا ينازع في هذين أعني كونَها في الدرجة الثانية وكونَها مقصودة إلا مكابر‏.‏ ومما يؤيد هذا أكمل تأييد ما ورد في «الصحاح» في حديث معاذ بن جبل أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان بعثه إلى اليمن فقال له‏:‏ ‏"‏ إنَّك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ‏(‏أي ينطقوا بذلك نطقاً مطابقاً لاعتقادهم‏)‏ فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ‏"‏ الخ فلولا أن للإيمان وللإسلام الحظ الأول لما قدمه، ولولا أن الأعمال لا دخل لها في مسمى الإسلام لما فرَّق بينهما، لأن الدعوة للحق يجب أن تكون دفعة وإلا لكان الرضا ببقائه على جزء من الكفر ولو لحظة مع توقع إجابته للدين رضىً بالكفر وهو من الكفر فكيف يأمر بسلوكه المَعصوم عن أن يُقِرّ أحداً على باطل، فانتظم القول الثالث للقولين‏.‏

ومما لا شبهة فيه أن استحقاق الثواب والعقاب على قدر الأعمال القلبية والجوارحية فالأمر الذي لا يحصُل شيءٌ من المطلوب دونَه لا يُنجي من العذاب إلا جميعُه فوجب أن يكون من لم يؤمن ولم يسلم مخلَّداً في النار لأنه لا يحصل منه شيء من المقصود بدون الإيمان والإسلام، وأما الأمور التي يقرُب فاعلها من الغاية بمقدار ما يخطُو في طرقها فثوابها على قدر ارتكابها والعقوبة على قدر تركها، ولا ينبغي أن ينازِع في هذا غيرُ مكابر، إذ كيف يستوي عندالله العليممِ الحكيم رجلان أحدهما لم يؤمن ولم يسلم والآخر آمن وأسلَم وامتثل وانتهى، إلا أنه اتبع الأمَّارة بالسوء في خصلة أو زلة فيحكم بأن كلا الرجلين في عذاب وخلود‏؟‏ وهل تبقى فائدة لكل مرتكب معصية في البقاء على الإسلام إذا كان الذي فر من أجله للإسلام حاصلاً على كل تقدير وهو الخلود في النار حتى إذا أراد أن يتوب آمَن يومئذٍ‏؟‏ وهل ينكر أحد أن جل الأمة لا يخلون من التلبس بالمعصية والمعصيتين إذ العصمة مفقودة فإذا كان ذلك قبل التوبة كفراً فهل يقول هذا العاقل إن الأمة في تلك الحالة متصفة بالكفر ولا إخال عاقلاً يلتزمها بعد أن يسمعها، أفهل يموه أحد بعد هذا أن يأخذ من نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏

‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ يعني الصلاة، إن الله سمَّي الصلاة إيماناً ولولا أن العمل من الإيمان لما سميت كذلك بعد أن بينَّا أن الأعمال هي الغاية من الإيمان والإسلام فانتظم القول الرابع والخامس لثلاثة الأقوال لمن اقتدى في الإنصاف بأهل الكمال‏.‏

ثم على العالم المتشبع بالاطلاع على مقاصد الشريعة وتصاريفها أن يفرق بين مقامات خطابها فإن منها مقام موعظة وترغيب وترهيب وتبشير وتحذير، ومنها مقام تعليم وتحقيق فيرد كل وارد من نصوص الشريعة إلى مورده اللائق ولا تتجاذبه المتعارضات مجاذبة المماذق فلا يحتج أحد بما ورد في أثبت أوصاف الموصوف، وأثبت أحد تلك الأوصاف تارة في سياق الثناء عليه إذ هو متصف بها جميعاً، فإذا وصف تارة بجميعها لم يكن وصفه تارة أخرى بواحد منها دالاً على مساواة ذلك الواحد لبقيتها، فإذا عرضت لنا أخبار شرعية جمعت بين الإيمان والأعمال في سياق التحذير أو التحريض لم تكن دليلاً على كون حقيقة أحدهما مركبة ومقومة من مجموعهما فإنما يحتج محتج بسياق التفرقة والنفي أو بسياق التعليم والتبيين فلا ينبغي لمنتسب أن يجازف بقولة سخيفة ناشئة عن قلة تأمل وإحاطة بموارد الشريعة وإغضاء عن غرضها ويؤول إلى تكفير جمهور المسلمين وانتقاض الجامعة الإسلامية بل إنما ينظر إلى موارد الشريعة نظرة محيطة حتى لا يكون ممن غابت عنه أشياء وحضره شيء، بل يكون حكمه في المسألة كحكم فتاة الحي‏.‏

أما مسألة العفو عن العصاة فهي مسألة تتعلق بغرضنا وليست منه، والأشاعرة قد توسعوا فيها وغيرهم ضيقها وأمرها موكول إلى علم الله إلا أن الذي بلغنا من الشرع هو اعتبار الوعد والوعيد وإلا لكان الزواجر كضرب في بارد الحديد وإذا علمتم أن منشأ الخلاف فيها هو النظر لدليل الوجوب أو الجواز علمتم خروج الخلاف فيها من الحقيقة إلى المجاز ولا عجب أعجب من مرور الأزمان على مثل قولة الخوارج والإباضية والمعتزلة ولا ينبري من حذاق علمائهم من يهذب المراد أو يؤول قول قدمائه ذلك التأويل المعتاد، وكأني بوميض فطنة نبهائهم أخذ يلوح من خِلل الرماد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

جملة‏:‏ ‏{‏يخادعون‏}‏ بدل اشتمال من جملة‏:‏ ‏{‏يقول آمنا بالله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏ وما معها لأن قولهم ذلك يشتمل على المخادعة‏.‏ والخداع مصدر خادع الدال على معنى مفاعلة الخدع، والخدع هو فعل أو قول معه ما يوهم أن فاعله يريد بمدلوله نفع غيره وهو إنما يريد خلاف ذلك ويتكلف ترويجه على غيره ليغيره عن حالة هو فيها أو يصرفه عن أمر يوشك أن يفعله، تقول العرب‏:‏ خدع الضب إذا أوهم حارشه أنه يحاول الخروج من الجهة التي أدخل فيها الحارش يده حتى لا يرقبه الحارش لعلمه أنه آخذه لا محالة ثم يخرج الضب من النافقاء‏.‏

والخداع فعل مذموم إلا في الحرب والانخداع تمشي حيلة المخادع على المخدوع وهو مذموم أيضاً لأنه من البله وأما إظهار الانخداع مع التفطن للحيلة إذا كانت غير مضرة فذلك من الكرم والحلم قال الفرزدق‏:‏

استمطروا من قريش كل منخدع *** إن الكريمَ إذا خادعته انخدعا

وفي حديث ‏"‏ المؤمن غر كريم ‏"‏ أي من صفاته الصفح والتغاضي حتى يظن أنه غر ولذلك عقبه بكريم لدفع الغرية المؤذنة بالبله فإن الإيمان يزيد الفطنة لأن أصول اعتقاده مبنية على نبذ كل ما من شأنه تضليل الرأي وطمس البصيرة ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏"‏ والسعيد من وعظ بغيره ‏"‏ مع قوله‏:‏ ‏"‏ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ‏"‏، وكلها تنادي على أن المؤمن لا يليق به البله وأما معنى «المؤمن غر كريم» فهو أن المؤمن لما زكت نفسه عن ضمائر الشر وخطورها بباله وحمل أحوال الناس على مثل حاله فعرضت له حالة استئمان تشبه الغرية قال ذو الرمة‏:‏

تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إِنَّ الحليم وذا الإسلام يختلب

فاعتذر عن سرعة تعلقه بها واختلابها عقله بكرم عقله وصحة إسلامه فإن كل ذلك من أسباب جودة الرأي ورقة القلب فلا عجب أن يكون سريع التأثر منها‏.‏

ومعنى صدور الخداع من جانبهم للمؤمنين ظاهر، وأما مخادعتهم الله تعالى المقتضية أن المنافقين قصدوا التمويه على الله تعالى مع أن ذلك لا يقصده عاقل يعلم أن الله مطلع على الضمائر والمقتضية أن الله يعاملهم بخداع، وكذلك صدور الخداع من جانب المؤمنين للمنافقين كما هو مقتضى صيغة المفاعلة مع أن ذلك من مذموم الفعل لا يليق بالمؤمنين فعله فلا يستقيم إسناده إلى الله ولا قصد المنافقين تعلقه بمعاملتهم لله كل ذلك يوجب تأويلاً في معنى المفاعلة الدال عليه صيغة ‏{‏يخادعون‏}‏ أو في فاعله المقدر من الجانب الآخر وهو المفعول المصرح به‏.‏

فأما التأويل في ‏{‏يخادعون‏}‏ فعلى وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن مفعول خَادع لا يلزم أن يكون مقصوداً للمخادِع بالكسر إذ قد يقصد خداع أحد فيصادف غيره كما يخادع أحد وكيلَ أحد في مال فيقال له أنت تخادع فلاناً وفلاناً تعني الوكيل وموكِّلَه، فهم قصدوا خداع المؤمنين لأنهم يكذّبون أن يكون الإسلام من عند الله فلما كانت مخادعتهم المؤمنين لأجل الدِّين كان خداعهم راجعاً لشارع ذلك الدين، وأمَّا تأويل معنى خداع الله تعالى والمؤمنين إياهم فهو إغضاء المؤمنين عن بوادرهم وفلتات أَلسُنهم وكبواتتِ أفعالهم وهفواتِهم الدال جميعها على نفاقهم حتى لم يزالوا يعاملونهم معاملة المؤمنين فإن ذلك لما كان من المؤمنين بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لقد نهى من استأذنه في أن يقتل عبدَ الله بن أبي ابن سلول، كان ذلك الصنيع بإذن الله فكان مرجعه إلى الله، ونظيره قوله تعالى‏:‏

‏{‏إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم‏}‏ في سورة النساء ‏(‏142‏)‏، كما رجع إليه خداعُهم للمؤمنين، وهذا تأويل في المخادعة من جانبيها، كل بما يلائمه‏.‏

الثاني‏:‏‏}‏ ما ذكره صاحب «الكشاف» أن ‏{‏يخادعون‏}‏ استعارة تمثيلية تشبيهاً للهيئة الحَاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم في الإملاء لهم والإِبْقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم في إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعَين‏.‏

الثالث‏:‏ أن يكون خادع بمعنى خدع أي غير مقصود به حصول الفعل من الجانبين بل قَصْدُ المبالغة‏.‏ قال ابن عطية عن الخليل‏:‏ يقال خَادع مِنْ واحد لأن في المخادعة مُهْلةً كما يقال عَالجت المريضَ لمكان المهلة، قال ابن عطية كأنه يرد فَاعَل إلى اثنين ولا بُدَّ من حيثُ إن فيه مهلة ومدافعة ومماطلة فكأنه يقاوم في المعنى الذي يجيء فيه فاعَلَ ا ه‏.‏ وهذا يرجع إلى جعل صيغة المفاعلة مستعارة لِمعنى المبالغة بتشبيه الفعل القوي بالفعل الحاصل من فاعَلْين على وجه التبَعية، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه‏:‏ ‏(‏يخْدَعون الله‏)‏‏.‏ وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين مع تنزيه الله والمؤمنين عنه، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله‏.‏

وأما التأويل في فَاعِل ‏{‏يخادعون‏}‏ المقدَّر وهو المفعول أيضاً فبأن يُجعل المراد أنهم يخادعون رسول الله فالإسناد إلى الله تعالى إما على طريقة المجاز العقلي لأجل الملابسة بين الرسول ومُرسله وإما مجازٌ بالحذف للمضاففِ، فلا يكون مرادهم خداعَ الله حقيقة، ويبقى أن يكون رسول الله مخدوعاً منهم ومخادعاً لهم، وأما تجويز مخادعة الرسول والمؤمنين للمنافقين لأنها جزاءٌ لهم على خداعهم فذلك غير لائق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يخادعون الله‏}‏ قرأه نافع وابن كثير وأبو عَمرو وخلَف ‏(‏يخادعون‏)‏ بألف بعد الخاء وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب ‏(‏يخْدَعون‏)‏ بفتح التحتية وسكون الخاء‏.‏

وجملة ‏{‏وما يخادعون إلا أنفسهم‏}‏ حال من الضمير في ‏{‏يُخادعون‏}‏ الأول أي يخادعون في حال كونهم لا يخادعون إلا أنفسهم أي خداعهم مقصور عن ذواتهم لا يرجع شيء منه إلى الله والذين آمنوا، فيتعين أن الخداع في قوله ‏{‏وما يخادعون‏}‏ عينُ الخِداع المتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏يخادعون الله‏}‏ فَيَرِد إشكال صحة قصر الخِداع على أنفسهم مع إثبات مخادعتهم الله تعالى والمؤمنين‏.‏

وقد أجاب صاحب «الكشاف» بما حاصله أن المخادعة الثانية مستعملة في لازم معنى المخادعة الأولى وهو الضُّر فإنها قد استعملت أولاً في مطلق المعاملة الشبيهة بالخداع وهي معاملة الماكر المستخف فأطلق عليها لفظُ المخادعة استعارة ثم أطلقت ثانياً وأريد منها لازِم معنى الاستعارة وهو الضُر لأن الذي يعامَل بالمكر والاستخفاف يتصدى للإنتقام من معامِلِه فقد يجد قدرة من نفسه أو غِرَّةً من صاحبه فيضره ضراً فصار حصول الضر للمعامِل أمراً عرفياً لازماً لمعامَله، وبذلك صح استعمال يخادع في هذا المعنى مجازاً أو كناية وهو من بناء المجاز على المجاز لأن المخادعة أطلقت أولاً استعارة ثم نُزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازاً في لازم المعنى المستعار له، فالمعنى وما يَضُرون إلا أنفسهم فيجري فيه الوجوه المتعلقة بإطلاق مادة الخداع على فعلهم، ويجئ تأويل معنى جَعل أنفسهم شقاً ثانياً للمخادعة مع أن الأنفس هي عينهم فيكون الخداع استعارة للمعاملة الشبيهة بفعل الجانبين المتخادعين بناء على ما شاع في وِجدان الناس من الإحساس بأن الخواطر التي تدعو إلى ارتكاب ما تَسوء عواقبه أنها فعلُ نفس هي مغايرة للعقل وهي التي تسول للإنسان الخير مرة والشر أخرى وهو تخيُّل بُني على خَطابة أخلاقية لإحداث العداوة بين المرء وبين خواطره الشريرة بجعلها واردة عليه من جهة غير ذاته بل من النَّفْس حتى يتأهب لمقارعتها وعصيان أمرها ولو انتسبت إليه لما رأى من سبيل إلى مدافعتها، قال عمرو بن معديكرب‏:‏

فجاشَت عليَّ أوَّلَ مرة *** فرُدَّتْ على مكروهها فاستقرتِ

وذكر ابن عطية أن أبا عليّ الفارسي أنشد لبعض الأعراب‏:‏

لم تَدر ما ‏(‏لا‏)‏ ولستَ قائلَها *** عُمْرَك ما عِشْتَ آخر الأبد

ولم تُؤامر نفسيْك مُمتريا *** فيها وفي أختها ولم تكد

يريد بأختها كلمة ‏(‏نعم‏)‏ وهي أخت ‏(‏لا‏)‏ والمراد أنها أخت في اللسان‏.‏ وقلت ومنه قول عروة بن أذينة‏:‏

وإذا وجدتُ لها وَسَاوِسَ سَلْوَة *** شَفَع الفؤاد إلى الضمير فَسَلَّها

فكأنهم لما عصوا نفوسهم التي تدعوهم للإيمان عند سماع الآيات والنذر إذ لا تخلو النفس من أوبة إلى الحق جعل معاملتهم لها في الإعراض عن نصحها وإعراضها عنهم في قلة تجديد النصح لهم وتركهم في غيهم كالمخادعة من هذين الجانبين‏.‏

واعلم أن قوله‏:‏ ‏{‏وما يخادعون إلا أنفسهم‏}‏ أجمعت القراءات العشر على قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف‏.‏ والنفس في لسان العرب الذات والقوة الباطنية المعبر عنها بالروح وخاطر العقل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما يشعرون‏}‏ عطف على جملة ‏{‏وما يخادعون‏}‏ والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية، ومنه سمي الشاعر شاعراً لعلمه بالمعاني التي لا يهتدي إليها كل أحد وقدرته على الوزن والتقفية بسهولة، ولا يحسن لذلك كل أحد، وقولهم ليت شعري في التحير في علم أمر خفي، ولولا الخفاء لما تمنى علمه بل لعلمه بلا تمن، فقولهم هو لا يشعر وصف بعدم الفطنة لا بعدم الإحساس وهو أبلغ في الذم لأن الذم بالوصف الممكن الحصول أنكى من الذم بما يتحقق عدمه فإن إحساسهم أمر معلوم لهم وللناس فلا يغيضهم أن يوصفوا بعدمه وإنما الذي يغيضهم أن يوصفوا بالبلادة‏.‏

على أن خفاء مخادعتهم أنفسهم مما لا يمتري فيه واختير مثله في نظيره في الخفاء وهو ‏{‏ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 12‏]‏ لأن كليهما أثبت فيه ما هو المآل والغاية وهي مما يخفي واختير في قوله ‏{‏ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 13‏]‏ نفي العلم دون نفي الشعور لأن السفه قد يبدو لصاحبه بأقل التفاتة إلى أحواله وتصرفاته لأن السفه أقرب لادعاء الظهور من مخادعة النفس عند إرادة مخادعة الغير ومن حصول الإفساد عند إرادة الإصلاح وعلى الإطلاق الثاني درج صاحب «الكشاف» قال‏:‏ فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

استئناف محض لعَدِّ مساويهم ويجوز أن يكون بيانياً لجواب سؤال متعجب ناشئ عن سماع الأحوال التي وصفوا بها قبل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9‏]‏ فإن من يسمع أن طائفة تخادع الله تعالى وتخادع قوماً عديدين وتطمع أن خداعها يتمشى عليهم ثم لا تشعر بأن ضرر الخداع لاحق بها لطائفة جديرة بأن يتعجب من أمرها المتعجب ويتساءل كيف خطر هذا بخواطرها فكان قوله‏:‏ ‏{‏في قلوبهم مرض‏}‏ بياناً وهو أن في قلوبهم خللاً تزايد إلى أن بلغ حد الأفن‏.‏ ولهذا قدم الظرف وهو ‏{‏في قلوبهم‏}‏ للاهتمام لأن القلوب هي محل الفكرة في الخداع فلما كان المسؤول عنه هو متعلقها وأثرها كان هو المهتم به في الجواب‏.‏ وتنوين ‏{‏مرض‏}‏ للتعظيم‏.‏ وأطلق القلوب هنا على محل التفكير كما تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ختم الله على قلوبهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 7‏]‏‏.‏

والمرض حقيقة في عارض للمزاج يخرجه عن الاعتدال الخاص بنوع ذلك الجسم خروجاً غير تام وبمقدار الخروج يشتد الألم فإن تم الخروج فهو الموت، وهو مجاز في الأعراض النفسانية العارضة للأخلاق البشرية عروضاً يخرجها عن كمالها، وإطلاق المرض على هذا شائع مشهور في كلام العرب، وتدبير المزاج لإزالة هذا العارض والرجوع به إلى اعتداله هو الطب الحقيقي ومجازي كذلك قال علقمة بن عبدة الملقب بالفحل‏:‏

فإن تسألوني بالنساءِ فإنني *** خبير بأدواء النساء طَبيب

فذكر الأدواء والطب لفساد الأخلاق وإصلاحها‏.‏

والمراد بالمرض في هاته الآية هو معناه المجازي لا محالة لأنه هو الذي اتصف به المنافقون وهو المقصود من مذمتهم وبيان منشأ مساوي أعمالهم‏.‏

ومعنى ‏{‏فزادهم الله مرضاً‏}‏ أن تلك الأخلاق الذميمة الناشئة عن النفاق والملازمة له كانت تتزايد فيهم بتزايد الأيام لأن من شأن الأخلاق إذا تمكنت أن تتزايد بتزايد الأيام حتى تصير ملكات كما قال المعلوط القُرَيْعي‏:‏

ورَجِّ الفتى للخير ما إنْ رأيتَه *** على السِّنِّ خيراً لا يزال يزيد

وكذلك القول في الشر ولذلك قيل‏:‏ من لم يتحلم في الصغر لا يتحلم في الكبر، وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل‏:‏

فإنك سوف تحلم أو تَنَاهَى *** إذا ماشِبْتَ أو شاب الغراب

وإنما كان النفاق موجباً لازدياد ما يقارنه من سيء الأخلاق لأن النفاق يستر الأخلاق الذميمة فتكون محجوبة عن الناصحين والمربين والمرشدين وبذلك تتأصل وتتوالد إلى غير حد فالنفاق في كتمه مساوئ الأخلاق بمنزلة كتم المريض داءه عن الطبيب، وإليك بيان ما ينشأ عن النفاق من الأمراض الأخلاقية في الجدول المذكور هنا وأشرنا إلى ما يشير إلى كل خلق منها في الآيات الواردة هنا أو في آيات أخرى في هذا الجدول‏:‏

صفحة مستقلة للرسم ص 280 الأصل‏.‏

اعلم أن هذه طباع تنشأ عن النفاق أو تقارنه من حيث هو ولا سيما النفاق في الدين فقد نبهنا الله تعالى لمذام ذلك تعليماً وتربية فإن النفاق يعتمد على ثلاث خصال وهي‏:‏ الكذب القولي، والكذب الفعلي وهو الخداع، ويقارن ذلك الخوف لأن الكذب والخداع إنما يصدران ممن يتوقى إظهار حقيقة أمره وذلك لا يكون إلا لخوف ضر أو لخوف إخفاق سعي وكلاهما مؤذن بقلة الشجاعة والثبات والثقةِ بالنفس وبحسن السلوك، ثم إن كل خصلة من هاته الخصال الثلاث الذميمة توكّد هنَوات أخرى، فالكذب ينشأ عن شيء من البله لأن الكاذب يعتقد أن كذبه يتمشى عند الناس وهذا من قلة الذكاء لأن النبيه يعلم أن في الناس مثله وخيراً منه، ثم البله يؤدي إلى الجهل بالحقائق وبمراتب العقول، ولأن الكذب يعود فِكر صاحبه بالحقائق المحرَّفة وتشتبه عليه مع طول الاسترسال في ذلك حتى إنه ربما اعتقد ما اختلقه واقعاً، وينشأ عن الأمرين السفه وهو خلل في الرأي وأَفَن في العقل، وقد أصبح علماء الأخلاق والطب يعدون الكذب من أمراض الدماغ‏.‏

وأما نشأةُ العجب والغرور والكفر وفساد الرأي عن الغباوة والجهل والسفهِ فظاهرة، وكذلك نشأة العزلة والجبن والتستر عن الخوف، وأما نشأة عداوة الناس عن الخداع فلأن عداوة الأضداد تبدأُ من شعورهم بخداعه، وتعقبها عداوة الأصحاب لأنهم إذا رأوا تفنن ذلك الصاحب في النفاق والخداع داخلهم الشك أن يكون إخلاصه الذي يظهره لهم هو من المخادعة فإذا حصلت عداوة الفريقين تصدى الناس كلهم للتوقي منه والنكاية به، وتصدى هو للمكر بهم والفساد ليصل إلى مرامه، فرمته الناس عن قَوس واحدة واجتنى من ذلك أن يصير هُزأة للناس أجمعين‏.‏

وقد رأيتم أن الناشئ عن مرض النفاق والزائد فيه هو زيادة ذلك الناشئ أي تأصله وتمكنه وتولد مذمات أخرى عنه، ولعل تنكير ‏(‏مرض‏)‏ في الموضعين أشعر بهذا فإن تنكير الأول للإشارة إلى تنويععٍ أو تكثيرٍ، وتنكيرَ الثاني ليشير إلى أن المزيد مرض آخر على قاعدة إعادةِ النكرةِ نكرةً‏.‏

وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض القلبية من ذاتها لأن الله تعالى لما خلَق هذا التولُّد وأسبابه وكان أمراً خفياً نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة، وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكناً من القلب فيعسر أو يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها، وأسندت تلك الزيادة إلى اسمه تعالى لأن الله تعالى غضب عليهم فأهملهم وشأنهم ولم يتداركهم بلطفه الذي يوقظهم من غفلاتهم لينبه المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر إقلاع أصحابها عنها ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما يمكن‏.‏

فجملة‏:‏ ‏{‏فزادهم الله مرضاً‏}‏ خبرية معطوفة على قوله‏:‏ ‏{‏في قلوبهم مرض‏}‏ واقعة موقع الاستئناف للبيان، داخلةٌ في دفع التعجب، أي إن سبب توغلهم في الفساد ومحاولتهم ما لا يُنال لأن في قلوبهم مرضاً ولأنه مرض يتزايد مع الأيام تزايداً مجعولاً من الله فلا طمع في زواله‏.‏

وقال بعض المفسرين‏:‏ هي دعاءٌ عليهم كقول جبير بن الأضبط‏:‏

تَبَاعَد عني فَطْحَل إذْ دَعوتُه *** أَمِينَ فزادَ الله مَا بينَنا بُعدا

وهو تفسير غير حسن لأنه خلاف الأصل في العطف بالفاء ولأن تصدي القرآن لشتمهم بذلك ليس من دأبه، ولأن الدعاء عليهم بالزيادة تنافي ما عهد من الدعاء للضالين بالهداية في نحو‏:‏ «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون‏}‏ معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏فزادهم الله مرضاً‏}‏ إكمالاً للفائدة فكمل بهذا العطف بيانُ ما جره النفاق إليهم من فساد الحال في الدنيا والعذاب في الآخرة‏.‏ وتقديم الجار والمجرور وهو ‏{‏لهم‏}‏ للتنبيه على أنه خبر لانعت حتى يستقر بمجرد سماع المبتدأ العلم بأن ذلك من صفاتهم فلا تلهو النفس عن تلقيه‏.‏

والأليم فَعيل بمعنى مفعول لأن الأكثر في هذه الصيغة أن الرباعي بمعنى مُفعَل وأصله عذاب مؤلَم بصيغة اسم المفعول أي مؤلَمٌ من يعذَّب به على طريقة المجاز العقلي لأن المؤلَم هو المعذب دون العذاب كما قالوا جَدّ جِدّه، أو هو فعيل بمعنى فاعل من أَلِمَ بمعنى صار ذا ألَم، وإما أن يكون فعيل بمعنى مفعِل أي مؤلِمْ بكسر اللام، فقيل لم يثبت عن العرب في هذه المادة وثبت في نظيرها نحو الحَكيم والسميع بمعنى المسمِع كقول عمرو بن معديكرب‏:‏

وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيل *** تحيةُ بينهم ضرب وَجِيع

أي موجع، واختلف في جواز القياس عليه والحق أنه كثير في الكلام البليغ وأن منع القياس عليه للمولدين قصد منه التباعد عن مخالفة القياس بدون داع لئلا يلتبس حال الجاهل بحال البليغ فلا مانع من تخريج الكلام الفصيح عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بما كانوا يكذبون‏}‏ الباء للسببية‏.‏ وقرأ الجمهور ‏(‏يُكذِّبون‏)‏ بضم أوله وتشديد الذال‏.‏ وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح أوله وتخفيف الذال أي بسبب تكذيبهم الرسول وإخبارَه بأنه مرسل من الله وأن القرآن وحي الله إلى الرسول، فمادة التفعيل للنسبة إلى الكذب مثل التعديل والتجريح، وأما قراءة التخفيف فعلى كذبهم الخاص في قولهم‏:‏ ‏{‏آمنا بالله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏ وعلى كذبهم العام في قولهم‏:‏ ‏{‏إنما نحن مصلحون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 11‏]‏ فالمقصود كذبهم في إظهار الإيمان وفي جعل أنفسهم المصلحين دون المؤمنين‏.‏

والكذب ضد الصدق، وسيأتي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب‏}‏ في سورة المائدة ‏(‏103‏)‏‏.‏ و‏(‏ما‏)‏ المجرورة بالباء مصدرية، والمصدر هو المنسبك من كان أي الكون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

يظهر لي أن جملة ‏{‏وإذا قيل لهم‏}‏ عطف على جملة ‏{‏في قلوبهم مرض‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 10‏]‏؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون‏}‏ إخبار عن بعض عجيب أحوالهم، ومن تلك الأحوال أنهم قالوا ‏{‏إنما نحن مصلحون‏}‏ في حين أنهم مفسدون فيكون معطوفاً على أقرب الجمل الملظة لأحوالهم وإن كان ذلك آيلاً في المعنى إلى كونه معطوفاً على الصلة في قوله‏:‏ ‏{‏من يقول آمنا بالله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏‏.‏

و ‏(‏إذا‏)‏ هنا لمجرد الظرفية وليست متضمنة معنى الشرط كما أنها هنا للماضي وليست للمستقبل وذلك كثير فيها كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏ الآية‏.‏ ومن نكت القرآن المغفول عنها تقييد هذا الفعل بالظرف فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن محل المذمة هو أنهم يقولون ‏{‏إنما نحن مصلحون‏}‏ مع كونهم مفسدين، ولكن عند التأمل يظهر أن هذا القول يكون قائلوه أجدر بالمذمة حين يقولونه في جواب من يقول لهم ‏{‏لا تفسدوا في الأرض‏}‏ فإن هذا الجواب الصادر من المفسدين لا ينشأ إلا عن مرض القلب وأفن الرأي، لأن شأن الفساد أن لا يخفى ولئن خفي فالتصميم عليه واعتقاد أنه صلاح بعد الإيقاظ إليه والموعظة إفراط في الغباوة أو المكابرة وجهل فوق جهل‏.‏ وعندي أن هذا هو المقتضى لتقديم الظرف على جملة ‏{‏قالوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏، لأنه أهم إذ هو محل التعجيب من حالهم، ونكت الإعجاز لا تتناهى‏.‏

والقائل لهم ‏{‏لا تفسدوا في الأرض‏}‏ بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلماً بأن النبيء صلى الله عليه وسلم يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية‏.‏ وفي جوابهم بقولهم‏:‏ ‏{‏إنما نحن مصلحون‏}‏ ما يفيد أن الذين قالوا لهم ‏{‏لا تفسدوا في الأرض‏}‏ كانوا جازمين بأنهم مفسدون لأن ذلك مقتضى حرف إنما كما سيأتي ويدل لذلك عندي بناء فعل قيل للمجهول بحسب ما يأتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏ ولا يصح أن يكون القائل لهم الله والرسول إذ لو نزل الوحي وبلغ إلى معينين منهم لعلم كفرهم ولو نزل مجملاً كما تنزل مواعظ القرآن لم يستقم جوابهم بقولهم‏:‏ ‏{‏إنما نحن مصلحون‏}‏‏.‏

وقد عَنَّ لي في بيان إيقاعهم الفساد أنه مراتب‏:‏

أولها‏:‏ إفسادهم أنفسهم بالإصرار على تلك الأدواء القلبية التي أشرنا إليها فيما مضى وما يترتب عليها من المذام ويتولد من المفاسد‏.‏

الثانية‏:‏ إفسادهم الناس ببث تلك الصفات والدعوة إليها، وإفسادُهم أبناءهم وعيالهم في اقتدائهم بهم في مساويهم كما قال نوح عليه السلام‏:‏

‏{‏إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 27‏]‏‏.‏

الثالث‏:‏ إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع، كإلقاء النميمة والعداوة وتسعير الفِتَن وتأليب الأحزاب على المسلمين وإحداث العقبات في طريق المصلحين‏.‏

والإفساد فعل ما به الفساد، والهمزة فيه للجَعْل أي جعل الأشياء فاسدة في الأرض‏.‏ والفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به أو بغيره، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملاً على مضرة، وإن لم يكن فيه نفع من قبل يقال فسد الشيء بعدَ أن كان صالحاً ويقال فَاسِد إذا وُجد فاسداً من أول وَهلة، وكذلك يقال أفسد إذا عمَد إلى شيء صالح فأزالَ صلاحه، ويقال أفسَد إذا أَوْجد فساداً من أول الأمر‏.‏ والأظهر أن الفساد موضوع للقدر المشترك من المعنيين وليس من الوضع المشترك، فليس إطلاقه عليهما كما هنا من قبيل استعمال المشترك في معنييه‏.‏ فالإفساد في الأرض منه تصيير الأشياء الصالحة مضرة كالغش في الأطعمة، ومنه إزالة الأشياء النافعة كالحَرق والقتل للبرآء، ومنه إفساد الأنظمة كالفِتن والجور، ومنه إفساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعارة وتحسين الكفر ومناوأة الصالحين المصلحين، ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع، فلذلك حُذف متعلق ‏{‏تفسدوا‏}‏ تأكيداً للعموم المستفاد من وقوع في حَيز النفي‏.‏

وذُكِر المحل الذي أفسدوا ما يَحْتوي عليه وهو الأرضُ لتفظيع فسادهم بأنه مبثوث في هذه الأرض لأن وقوعه في رقعة منها تشويه لمجموعها‏.‏ والمراد بالأرض هذه الكرة الأرضية بما تحتوي عليه من الأشياء القابلة للإفساد من الناس والحيوان والنبات وسائر الأنظمة والنواميس التي وضعها الله تعالى لها، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 200‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا إنما نحن مصلحون‏}‏ جواب بالنقض فإن الإصلاح ضد الإفساد، أي جعل الشيء صالحاً، والصلاح ضد الفساد يقال صلح بعد أن كان فاسداً ويقال صلح بمعنى وجد من أول وهلة صالحاً فهو موضوع للقدر المشترك كما قلنا‏.‏ وجاءوا بإنما المفيدة للقصر باتفاق أئمة العربية والتفسير ولا اعتداد بمخالفه شذوذاً في ذلك‏.‏ وأفاد ‏{‏إنما‏}‏ هنا قصر الموصوف على الصفة رداً على قول من قال لهم ‏{‏لا تفسدوا‏}‏، لأن القائل أثبت لهم وصف الفساد إما باعتقاد أنهم ليسوا من الصلاح في شيء أو باعتقاد أنهم قد خلطوا عملاً صالحاً وفاسداً، فردوا عليهم بقصر القلب، وليس هو قصراً حقيقياً لأن قصر الموصوف على الصفة لا يكون حقيقياً ولأن حرف إنما يختص بقصر القلب كما في «دلائل الإعجاز»، واختير في كلامهم حرف ‏(‏إنما‏)‏ لأنه يخاطب به مخاطب مُصِر على الخطأ كما في «دلائل الإعجاز» وجعلت جملة القصر اسمية لتفيد أنهم جعلوا اتصافهم بالإصلاح أمراً ثابتاً دائماً، إذ من خصوصيات الجملة الاسمية إفادة الدَّوام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

رد عليهم في غرورهم وحصرهم أنفسهم في الصلاح فرد عليهم بطريق من طرق القصر هو أبلغ فيه من الطريق الذي قالوه لأن تعريف المسند يفيد قصر المسند على المسند إليه فيفيدُ قوله‏:‏ ‏{‏ألا إنهم هم المفسدون‏}‏ قصر الإفساد عليهم بحيث لا يوجد في غيرهم وذلك ينفي حصرهم أنفسهم في الإصلاح وينقضه وهو جار على قانون النقض وعلى أسلوب القصر الحاصل بتعريف الجنس وإن كان الرد قد يكفي فيه أن يقال إنهم مفسدون بدون صيغة قصر، إلا أنه قُصِر ليفيد ادعاءَ نفي الإفساد عن غيرهم‏.‏ وقد يفيد ذلك أن المنافقين ليسوا ممن ينتظم في عداد المصلحين لأن شأن المفسد عرفاً أن لا يكون مصلحاً إذ الإفساد هين الحصول وإنما يصد عنه الوازع فإذا خلع المرءُ عنه الوازعَ وأخذ في الإفساد هان عليه الإفساد ثم تكرر حتى يصبح سجية ودأباً لا يكاد يفارق موصوفه‏.‏

وحرف ‏(‏ألا‏)‏ للتنبيه إعلاناً لوصفهم بالإفساد‏.‏

وقد أكد قصر الفساد عليهم بضمير الفصل أيضاً كما أكد به القصر في قوله‏:‏ ‏{‏وأولئك هم المفلحون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏ كما تقدم قريباً‏.‏ ودخوللِ ‏(‏إِنَّ‏)‏ على الجملة وقرنِها بأَلاَ المفيدة للتنبيه وذلك من الاهتمام بالخبر وتقويته دلالةً على سخط الله تعالى عليهم فإن أدوات الاستفتاح مثل ألا وأمَا لما كان شأنها أن ينبه بها السامعون دلت على الاهتمام بالخبر وإشاعته وإعلانه، فلا جرم أن تدل على أبلغية ما تضمنه الخبر من مدح أو ذم أو غيرهما، ويدل ذلك أيضاً على كمال ظهور مضمون الجملة للعيان لأن أدوات التنبيه شاركت أسماء الإشارة في تنبيه المخاطب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن لا يشعرون‏}‏ مَحمَلُه مَحْمَلُ قوله تعالى قبله‏:‏ ‏{‏وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9‏]‏ فإن أفعالهم التي يبتهجون بها ويزعمونها منتهى الحذق والفطنة وخدمةِ المصلحة الخالصة آيلة إلى فساد عام لا محالة إلاَّ أنهم لم يهتدوا إلى ذلك لخفائه وللغشاوة التي ألقيت على قلوبهم من أثر النفاق ومخالطة عظماء أهله، فإن حال القرين وسخافة المذهب تطمس على العقول النيرة وتَخِفُّ بالأحلام الراجحة حتى تَرى حسناً ما ليس بالحَسَن‏.‏ وموقع حرف الاستدراك هنا لأن الكلام دَفْع لما أثبتوه لأنفسهم من الخلوص للإصلاح، فرفع ذلك التوهم بحرف الاستدراك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء‏}‏‏.‏

هو من تمام المقول قبله فحكمه حكمه بالعطف والقائل، ويجوز هنا أن يكون القائل أيضاً طائفة من المنافقين يشيرون عليهم بالإقلاع عن النفاق لأنهم ضجروه وسئموا كُلَفَهُ ومتَّقياته، وكَلَّت أذهانهم من ابتكار الحِيَل واختلاق الخطل‏.‏ وحذف مفعول ‏{‏آمِنوا‏}‏ استغناء عنه بالتشبيه في قوله‏:‏ ‏{‏كما آمن الناس‏}‏ أو لأنه معلوم للسامعين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كما آمن الناس‏}‏ الكاف فيه للتشبيه أو للتعليل، واللام في ‏(‏الناس‏)‏ للجنس أو للاستغراق العرفي‏.‏ والمراد بالناس من عَدَا المخاطبين، كلمة تقولها العرب في الإغراء بالفعل والحث عليه لأن شأن النفوس أن تسرع إلى التقليد والاقتداء بمن يسبقها في الأمر، فلذلك يأتون بهاته الكلمة في مقام الإغراء أو التسلية أو الائتساء، قال عَمْرو ابن البَرَّاقَة النِّهْمِي‏:‏

وننصُرُ مولانا ونَعَلُم أَنَّه *** كما الناسسِ مجرومٌ عليه وجَارم

وقوله‏:‏ ‏{‏أنؤمن كما آمن السفهاء‏}‏ استفهام للإنكار، قصدوا منه التبرئ من الإيمان على أبلغ وجه، وجعلوا الإيمان المتبرأ منه شبيهاً بإيمان السفهاء تشنيعاً له وتعريضاً بالمسلمين بأنهم حملهم على الإيمان سفاهة عقولهم، ودلوا على أنهم علموا مراد من يقول لهم ‏{‏كما آمن الناس‏}‏ أنه يعني بالناس المسلمين‏.‏

والسفهاءُ جمع سفيه وهو المتصف بالسفاهة، والسفاهة خفة العقل وقلة ضبطه للأمور قال السموأل‏:‏

نَخاف أن تَسْفَهَ أحلامُنَا *** فَنَخْمل الدهرَ مع الخامل

والعرب تطلق السفاهة على أفن الرأي وضعفه، وتطلقها على سوء التدبير للمال‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 5‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 282‏]‏ الآية لأن ذلك إنما يجئ من ضعف الرأي‏.‏ ووصفهم المؤمنين بالسفاهة بهتان لزعمهم أن مخالفتهم لا تكون إلا لخفة في عقولهم، وليس ذلك لتحقيرهم، كيف وفي المسلمين سادة العرب من المهاجرين والأنصار‏.‏ وهذه شنشنة أهل الفساد والسفه أن يرموا المصلحين بالمذمات يهتاناً ووقاحة ليلهوهم عن تتبع مفاسدهم ولذلك قال أبو الطيب‏:‏

وإذا أتتْكَ مَذمَّتي من ناقص *** فهي الشهادةُ لي بأني كامل

وليس في هاته الآية دليل على حكم الزنديق إذا ظهر عليه وعرفت زندقته إثباتاً، ولا نفياً لأن القائلين لهم ‏{‏آمنوا كما آمن الناس‏}‏ هم من أقاربهم أو خاصتهم من المؤمنين الذين لم يفشوا أمرهم فليس في الآية دليل على ظهور نفاقهم للرسول بوجه معتاد ولكنه شيء أطلع عليه نبيئه، وكانت المصلحة في ستره، وقد اطّلع بعض المؤمنين عليه بمخالطتهم وعلموا من النبيء صلى الله عليه وسلم الإعراض عن إذاعة ذلك فكانت الآية غير دالة على حكم شرعي يتعلق بحكم النفاق والزندقة‏.‏

‏{‏ألاا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

أتى بما يقابل جفاء طبعهم انتصاراً للمؤمنين، ولولا جفاء قولهم‏:‏ ‏{‏أنؤمن كما آمن السفهاء‏}‏ لما تصدى القرآن لسبابهم مع أن عادته الإعراض عن الجاهلين ولكنهم كانوا مضرب المثل‏:‏ «قُلتَ فأَوْجَبْتَ»، ولأنه مقام بيان الحق من الباطل فتحسن فيه الصراحة والصرامة كما تقرر في آداب الخطابة، وأعلن ذلك بكلمة ألاَ المؤذنة بالتنبيه للخبر، وجاء بصيغة القصر على نحو ما قرر في‏:‏

‏{‏ألا إنهم هم المفسدون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 12‏]‏ ليدل على أن السفاهة مقصورة عليهم دون المؤمنين فهو إضافي لا محالة‏.‏ وإذا ثبتت لهم السفاهة انتفى عنهم الحِلم لا محالة لأنهما ضدان في صفات العقول

‏(‏إِنَّ‏)‏ هنا لتوكيد الخبر وهو مضمون القصر وضمير الفصل لتأكيد القصر كما تقدم آنفاً‏.‏ و‏(‏أَلا‏)‏ كأختها المتقدمة في‏:‏ ‏{‏ألا إنهم هم المفسدون‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن لا يعلمون‏}‏ نفى عنهم العلم بكونهم سفهاء بكلمة ‏{‏يعلمون دون يشعرون خلافاً للآيتين السابقتين لأن اتصافهم بالسفه ليس مما شأنه الخفاء حتى يكون العلم به شُعوراً ويكونَ الجهل به نفيَ شُعور، بل هو وصف ظاهر لا يخفى لأن لقاءهم كل فريق بوجه واضطرابهم في الاعتماد على إحدى الخَلَّتين وعدم ثباتهم على دينهم ثباتاً كاملاً ولا على الإسلام كذلك كافَ في النداء بسفاهة أحلامهم فإن السفاهة صفة لا تكاد تخفى، وقد قالت العرب‏:‏ السفاهة كاسمها، قال النابغة‏:‏

نُبئْتُ زرعة والسفاهةُ كاسمها *** يُهدى إليّ غَرائبَ الأشعار

وقال جَزْءُ بن كلاب الفَقْعَسي‏:‏

تَبَغّى ابنُ كُوز والسَّفَاهَة كاسمها *** لِيَسْتَادَ مِنَّا أَنْ شَتَوْنَا لَيَالِيا

فظنهم أن ما هم عليه من الكفر رُشد، وأن ما تقلده المسلمون من الإيمان سَفَه يدل على انتفاء العلم عنهم‏.‏ فموقع حرف الاستدراك لدفع تعجب من يتعجب من رضاهم بالاختصاص بوصف السفاهة‏.‏